يحيي بن حمزة العلوي اليمني

46

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

بمجازه لم تعرف على جهة الكمال فيحصل مع المجاز تشوّق إلى تحصيل الكمال ، فلا جرم كانت العبارة بالمجازات أقرب إلى تحسين الكلام وتلطيفه . الحكم الثالث أجمع أهل التحقيق من علماء الدّين ، والنّظار من الأصوليين ، وعلماء البيان على جواز دخول المجاز في كلام الله تعالى وكلام رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم في كلام نوعيه ، المفرد ، والمركب ، ويحكى الخلاف في إنكاره عن أبي بكر بن داود الأصفهاني ، والحجة على ما قلناه : هو أن خلافه إما أن يكون في الجواز ، أو في الوقوع ، فأمّا الجواز العقلي فإنه ظاهر فإن الخطاب بالكلام الذي أريد به خلاف ما وضع له جائز من جهة العقل ، والقدرة الإلهية لا تعجز عن مثل هذا فلهذا حكمنا به ، وأمّا الوقوع فهو ظاهر في القرآن كثيرا قال الله تعالى : وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ [ الإسراء : 24 ] وقال تعالى : فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ [ الكهف : 77 ] وقال تعالى : وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً [ مريم : 4 ] ومن المركب قوله تعالى حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ [ يونس : 24 ] وقوله تعالى : فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ [ النحل : 112 ] وعلى الجملة فالاستعارة ، والتمثيل ، والكناية ، في كتاب الله تعالى وسنّة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أوسع من أن تضبط بحد ، وسنورد من ذلك أمورا منبّهة على حسن البلاغة بالتوسّعات المجازية ، وتقرير هذه الدلالة أن هذه المجازات إما أن يراد بها معنى ، أو لا ، والثاني باطل منزّه عنه كلام الله ، والأول إمّا أن يراد به ما وضع له ، أو غيره ، فإن أريد به ما وضع له فهو باطل ، لأن الذّلّ لا جناح له ، والإرادة لا تعقل من الجدار ، والأخذ من جهة الأرض غير ممكن ، لأنها غير قادرة ، وإن لم يرد بها ما وضعت له فهذا هو الذي نريده بالمجاز وهو المطلوب . خيال وتنبيه فإن قال قائل : إن ما ذكرتموه من جواز دخول المجاز في كلام الله تعالى يؤدّى إلى حصول مطاعن في ذات الله تعالى ، وفي صفاته ، وفي كلامه ، وشيء منها غير جائز في الله تعالى ولا في صفاته ولا يليق بخطابه ، فيجب القضاء ببطلانه وفساده ، وبيانه من أوجه أربعة : أولها : هو أن الله تعالى لو خاطب بالمجاز لكان يجوز وصفه بأنه متجوّز مستعير ، وهذا غير لائق بالحكمة .